القاضي التنوخي

91

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

وشهد عند القاضي بها ، وقد وفد إلى باب عضد الدولة ، قبل ذلك ، وأقام ، وكان خادما له ، فيما يخدم فيه التجار ، يختصّه بعض الاختصاص . فأقبل ، وكان بين يدي ، الدست التمريّ ، الذي يوضع بين يديّ في كل يوم ، وفيه من الأشربة المحلَّلة ، ما جرت عادتي بشرب اليسير منه بين يدي عضد الدولة ، على سبيل المنادمة والمؤانسة والمباسطة ، وكان قد سامني وألزمني ذلك ، بعد امتناعي منه شهورا ، حتى تهدّدني وأخافني . فقال لي : يا قاضي ، إنّ هذا الرجل الذي استؤذن له ، عامّي ، جاهل بالعلم ، وإنّما استخدمته رعاية لحرمات له عليّ ، ولأنّه كان يخدم أمّي في البزّ ، ويدخل إليها بإذن ركن الدولة ، لتقاه وأمانته ، فلا تستتر عنه ، وهذا قبل أن أولد ، فلما ولدت كان يحملني على كتفه ، إلى أن ترجّلت ، ثم صار يشتري البزّ ، ويبيعه عليّ ، واستمرّت خدمته لحرمته ، وهو قاطن بالبصرة ، ولعلَّه يدخل فيرى ما بين يديك ، فيظنّه خمرا ، فيرجع إلى البصرة ، فيخبر قاضيها وشهودها بذلك ، فيقدح فيك ، ومحلَّه يوجب أن يكشف لك عذرك ، ولكن أزح الدست الذي بين يديك حتى يصير بين يدي أبي عبد اللَّه بن المنجّم - وكان أبو عبد اللَّه بن إسحاق بن المنجم ، يجلس دوني بفسحة في المجلس - فإذا دخل رأى الدست بين يديه دونك ، فلم يقدر على حكاية يطعن بها عليك . فقبّلت الأرض شكرا لهذا التطوّل في الإنعام ، وباعدت الدست إلى أبي عبد اللَّه . ثم قال : أدخلوه ، فأدخلوه ، وشاهد المجلس ، وهنّأ ، ودعا ، وأعطى دينارا ودرهما كبيرين ، فيهما عدّة مثاقيل ، وانصرف . قال أبو عليّ ، ويقرب من هذا ما عاملني به الوزير أبو محمد المهلَّبي ،